بدأت سماء القرية بالتلبد منذ الصباح ، إنشغل الرجال في تنظيف آبار المياه إستعداداً لاستقبال ما تجود به مآقي السماء ، أما النساء فقد خرجن ليردن على النبع بجرارٍ فخارية كالحة اللون .
صفية - أجمل فتيات القرية - إختارت وقتاً متأخراً تتزاحم فيه النسوة حول النبع ، لكنها بدلاً من أن تكمل طريقها الى الشرق إنعطفت شمالاً ، حيث كان الاستاذ عبد الاله بإنتظارها بجذوة روحٍ وإتقاد شهوة .
منذ اليوم الأول ، قال لها عبد الاله ساخراً : الحب العذري يا صفية مثل الجرة المثقوبة ، انتِ عاقلة ، و العاقل لا يشتري المياه في جرة مثقوبة .
و الحق ان صفية لم تفهم ما الرابط ، لكنها وهبته جسدها النحاسي عند أول شهقة و مع أول عواء أطلقه عبد الاله في طرف الغابة، فكان ما كان ، ملحوقاً بلقاءات عديدة على حين غفلة او على عتبة كدٍ ما .
**
حين جاء عبد الاله أول مرة الى القرية ، أولم له المختار ، و قال له ماضغاً شاربه : " يا عمي ، انت واحد منا .. قري الاولاد ، و اسكن بغرفة المضافة ، لأنو سكن المدرسة بنفعش زريبة " .
لعق عبد الاله الطعام عن كفه حامداً الله ثم قال : لا يا عمي ، بسكن بالمدرسة أحسن .
والد عبد الاله كان فدائياً جباراً ، قتل عشرةً من العاغاناه قبل أن يقبضوا عليه على أعتاب الغور بعد وشاية راعٍ إسمه " يونس " .
و المضحك أن فرداً غراً من الهاغاناه قتل الراعي لاحقاً لأن إسمه يذكره بضابط نازي إغتصب أمه سالفاً .
يوم دُفن والد عبد الاله بطحت البنادق ، و خشعت الابصار مصلية و متعهدة بالثأر.
بعد عامٍ من ضياع الضفة جاء عبد الإله من عمّان الى القرية مُطفأ الأحلام ، خبت شيوعيته و ضاع تدينه ، كان دائماً على عتبة الهَرب ، كان دائماً على حافة الكلام لكنه كان نادراً ما ينطق ، و كان لا يشاهد الى بسيجارة بين يديه ، و كتابٍ يحمله .
**
القت صفيه بنفسها بين ذراعي الأستاذ ، كان الضباب قد بدأ بالحلول ، لم ينبس بغير كلمة الترحاب ، لم يتكلم ، و لم تكسر هي صمته .
حين إنتهيا و أشعل لفافة رطبة قالت له : انت بتدخن كثير ..
فأومأ موافقاً ..
فجأة جاء الصوت من ألأجمة المتموجة في الخلف ، كان ضبعاً أو ذئباً ، لم يكن بالامكان الجزم .
" أهربي !! " صاح بها و هرب ، خطواتها كانت أبطأ ، إنقض عليها الكاسر بفكيه ، و لم يكن بإمكان عبد الاله سماع إختناقها بدمها كون الطريق قد جرفه الى القرية .
**
جاء الطرق على الباب صاخباً و متعجلاً ، فتح الأستاذ الباب فقال له أحذ الشبان : " بندور عبنت ضايعة ، و بدنا فزعة " ..
خرج أهالي القرية للبحث ، جاء الفجرُ بارداً ، بدأت الأمطار بالهطول ، علا حفيف السنديان بوحشية ، نادى أحد الرجال : يا مختار !! ..
كان وشاح صفية عالقاً بهشيمٍ يابسٍ على الأرض ، بجانبه كانت الجرة مكسورة و مكومة ، أما الجثة فقد وجدوا بقاياها على مقربة من الوشاح .
**
أمطرت طوال الليل ..
بعد أن دفن الرجال الجثة ذهب عبد الإله الى طرف الغابة ، فوجد الوشاح مكانه ، رفع الوشاح فوجد كتابه مرمياً تحته .
حمل الكتاب و الوشاح ، أشعل لفافة رطبة ، و غادر المكان .
٧ كانون الاول ١٨
ابراهيم منيب المومني
صفية - أجمل فتيات القرية - إختارت وقتاً متأخراً تتزاحم فيه النسوة حول النبع ، لكنها بدلاً من أن تكمل طريقها الى الشرق إنعطفت شمالاً ، حيث كان الاستاذ عبد الاله بإنتظارها بجذوة روحٍ وإتقاد شهوة .
منذ اليوم الأول ، قال لها عبد الاله ساخراً : الحب العذري يا صفية مثل الجرة المثقوبة ، انتِ عاقلة ، و العاقل لا يشتري المياه في جرة مثقوبة .
و الحق ان صفية لم تفهم ما الرابط ، لكنها وهبته جسدها النحاسي عند أول شهقة و مع أول عواء أطلقه عبد الاله في طرف الغابة، فكان ما كان ، ملحوقاً بلقاءات عديدة على حين غفلة او على عتبة كدٍ ما .
**
حين جاء عبد الاله أول مرة الى القرية ، أولم له المختار ، و قال له ماضغاً شاربه : " يا عمي ، انت واحد منا .. قري الاولاد ، و اسكن بغرفة المضافة ، لأنو سكن المدرسة بنفعش زريبة " .
لعق عبد الاله الطعام عن كفه حامداً الله ثم قال : لا يا عمي ، بسكن بالمدرسة أحسن .
والد عبد الاله كان فدائياً جباراً ، قتل عشرةً من العاغاناه قبل أن يقبضوا عليه على أعتاب الغور بعد وشاية راعٍ إسمه " يونس " .
و المضحك أن فرداً غراً من الهاغاناه قتل الراعي لاحقاً لأن إسمه يذكره بضابط نازي إغتصب أمه سالفاً .
يوم دُفن والد عبد الاله بطحت البنادق ، و خشعت الابصار مصلية و متعهدة بالثأر.
بعد عامٍ من ضياع الضفة جاء عبد الإله من عمّان الى القرية مُطفأ الأحلام ، خبت شيوعيته و ضاع تدينه ، كان دائماً على عتبة الهَرب ، كان دائماً على حافة الكلام لكنه كان نادراً ما ينطق ، و كان لا يشاهد الى بسيجارة بين يديه ، و كتابٍ يحمله .
**
القت صفيه بنفسها بين ذراعي الأستاذ ، كان الضباب قد بدأ بالحلول ، لم ينبس بغير كلمة الترحاب ، لم يتكلم ، و لم تكسر هي صمته .
حين إنتهيا و أشعل لفافة رطبة قالت له : انت بتدخن كثير ..
فأومأ موافقاً ..
فجأة جاء الصوت من ألأجمة المتموجة في الخلف ، كان ضبعاً أو ذئباً ، لم يكن بالامكان الجزم .
" أهربي !! " صاح بها و هرب ، خطواتها كانت أبطأ ، إنقض عليها الكاسر بفكيه ، و لم يكن بإمكان عبد الاله سماع إختناقها بدمها كون الطريق قد جرفه الى القرية .
**
جاء الطرق على الباب صاخباً و متعجلاً ، فتح الأستاذ الباب فقال له أحذ الشبان : " بندور عبنت ضايعة ، و بدنا فزعة " ..
خرج أهالي القرية للبحث ، جاء الفجرُ بارداً ، بدأت الأمطار بالهطول ، علا حفيف السنديان بوحشية ، نادى أحد الرجال : يا مختار !! ..
كان وشاح صفية عالقاً بهشيمٍ يابسٍ على الأرض ، بجانبه كانت الجرة مكسورة و مكومة ، أما الجثة فقد وجدوا بقاياها على مقربة من الوشاح .
**
أمطرت طوال الليل ..
بعد أن دفن الرجال الجثة ذهب عبد الإله الى طرف الغابة ، فوجد الوشاح مكانه ، رفع الوشاح فوجد كتابه مرمياً تحته .
حمل الكتاب و الوشاح ، أشعل لفافة رطبة ، و غادر المكان .
٧ كانون الاول ١٨
ابراهيم منيب المومني

ليست هناك تعليقات