اخترنا لكم : قصه من مجموعة ( تركة الايام الثقيلة) لِِـ عدي المدانات

شارك:

اخترنا لكم : قصه من مجموعة ( تركة الايام الثقيلة) لِِـ عدي المدانات .

لمن تشعل العجوز الفحم 
الدرج الطويل، الممتد من فسحة منبسطة أعلى الجبل الى أخرى منحدرة عنها، يشهد طوال النهار حركة المتنقلين النشطة من اعلاه الى اسفله وبالعكس، أما المنازل المحاذية له على الجانبين فكأن لا حياة فيها، لأن أبوابها مغلقة على الدوام، تجنبا لانكشافها لنظرات عابري السبيل الفضولية، أو غير المقصودة. غير أن حال المرأة المسنة التي سأفترض أن اسمها "أمينة" كان استثناءً، فهي لا تكتفي بفتح بابها، وانما تزيد بجلوسها طوال النهار على عتبته الخارجية. "أمينة" هذه تظهر مسربلة بالسواد من قمة الرأس حتى أخمص القدمين، منشغلة طوال الوقت بأمر في غاية الغرابة، إذ أنها تضع أمامها منقل فحم، لكنه خالٍ من الفحم ومما يشوى، وتظل على هذة الحال معظم النهار، من غير رفقة، لا من داخل بيتها ولا من خارجه، وهي لا تكترث لهذا الأمر على ما يظهر منها، فهي تثابر في ما تفعل، غير عابئة بنظرات الآخرين. 
قد تكون المرأة صغيرة السن "زينب"، وهذا هو اسمها الحقيقي، استثناءً، بين مرتادي الدرج في ما يخص آمنة، وليس من أحد يستطيع الجزم بذلك، فهي حديثة العهد في اختيارها الدرج طريقا، ويتعيّن عليها ان تذرعه صعودا وهبوطا مرتين في اليوم الواحد في تنقلها بين منزلها ومكان عملها، لا يشغلها وهي تجتازه، او يميزها عن غيرها سوى كثرة شد الغطاء الخفيف الذي يحيط برأسها، وكتفيها، كلما تحرك من موضعه وانزاح قليلا ليكشف جانبا من شعرها الأسود المفروق من منتصفه، وهي تفعل ذلك كلما صعدت مجموعة من الدرجات، ولعل هذا ما دعاها لتنتبه لوجود الحاجة أمينة، المسربلة بالسواد من رأسها حتى أخمص القدمين، حين وقفت لفعل ذلك. 
لم تعطها في البداية سوى نظرة سريعة، غير ان دوامها على هذه الحال جعلها تبدأ في تسليط نظرها عليها، منذ أن تصبح في بؤرة النظر، الى أن تتجاوزها وتتخطاها، ثم تشملها بنظرة أخيرة قبل أن تبتعد. لم يكن لديها من خبرها اليومي في حديثها مع زميلات العمل وزوجها سوى القول :"رأيتها اليوم على حالها، لا تبدل ولا تغير"، أو "رأيتها اليوم واقتربت منها، ولكنها لم تلحظني، لم ترفع رأسها لترى من فرش ظله عليها".
وبطبيعة الحال صار انشغالها بأمر المرأة المعزولة عن العالم موضع نقاش وملاحظات وافتراضات مختلفة بشأنها، غير أن زينب لا تبالي بتلك الملاحظات والافتراضات، فكل ما يعنيها أن المرأة ثابتة في مكانها على ما هي عليه، لا تغير أو تبدل، غير ان افتراضين جديدين وردا في هذا السياق ، جنح كل منهما الى ربط ما تقوم به الى عادة قديمة مستحكمة، فقد افترض زوجها أنها عجوز عراقية، تحن الى تاريخ كانت تكثر فيه الشواء لأفراد اسرتها الكثر، وأنها فقدت من تشوي لهم في ظروف الهجرة القسرية بعد احتلال العراق. 
لكنه لم يثبت على هذا الافتراض الذي عاشت زينب معه لأيام وهي تتخيل المرأة محاطة بالرجال والنساء والكل ينتظر نصيبه من الشواء، فقد فاجأها باحتمال آخر، وهو أنها كانت تبيع أكواز الذرة المشوية في أحد أسواق بغداد التجارية لتأمين عيش اسرتها الصغيرة، وقد رأى مثيلات لها يفعلن الشيء نفسه في بغداد، وأن غيرها يمتهن بيع علب التبغ الآن في عمان ويتخذن من شوارعها بسطات تجارتهن، وأضاف:
-ربما لو كانت أصغر سنا لحملت منقلها وذرتها الى وسط عمان.
وهذا ما حمل زينب على تقبل الافتراضين، وما جعلها تفكر بتقديم مساهمة من لدنها تنتشل أمينة من أزمتها، فعزمت وفق اتفاق في الرأي توصلت اليه مع زوجها، على شراء عدد من عرانيس الذرة وتقديمها لها لتضعها فوق المنقل. غير أن المفاجأة غير السارة أنها لدى شرائها الذرة ووضعها في حقيبتها، لم ترى أمينة في مكانها، لا في صبحها وهي تصعد الدرج الى مكان عملها، ولا بعد ظهرها وهي تحدره الى بيتها، ليس هذا فحسب، فقد كان باب منزلها مغلقاً. تكدرت قليلا في اليوم الأول وزاد كدرها في الأيام اللاحقة لاستمرار غيابها، ولم تجد من تلجأ اليه لتعرف السبب فيه، فصار غياب المرأة موضع الأحاديث. 
لكّن الحال لم يدم، فقد ظهرت أخيرا وظهر معها منقلها ، غير أن اللافت للانتباه هذه المرة أن الفحم كان مشتعلا وفوقه عرنوس ذرة. اقتربت والقت عليها التحية، فجاء رد الحاجة صادما:
-الذرة مو للبيع، ومثل ما تشوفين القوات الامريكية احتلت السوق وهذي الحبة لابني يم يجي يزورني. 
نظرت زينب ورأت أن عرنوس الذرة كان محترقا، فلم تملك إلا متابعة سيرها وقد غشاها حزن شديد. 
اقتربت منها في اليوم التالي ورأت عرنوس ذرة آخر على النار وكان محترقا كسابقه، والحاجة أمينة تمضي ب"النش". سوّت اولا من وضع غطاء رأسها، ثم خاطبتها:
- شو ابنك متأخر؟
رفعت الحاجة أمينة رأسها وقالت:
-هم.. بجي ولو تأخر. لو طلع بأول الليل، ساعة ويكون عندي. انا دزيت له خبر في الليل وقلي لا ينشغل فكرك، انا في طريقي. 
أخرجت زينب مافي محفظتها من نقود وقالت
-هذول من ابنك. 
اخذت النقود وقبلها، ثم دستها داخل ثوبها وسألت:
- يمة انت شفتيه؟
علق الكلام بحلقها، وعوضا عن المضي في قصتها المختلقة، مضت في طريقها وهي تجهش بالبكاء .

اختيار : وفاء علقم / الأردن .

ليست هناك تعليقات