قَميص يوسف - قصة لوسام عياصرة

شارك:
هو ذا الخريف، يأتي فتسقط أوراق الأشجار تحت أمهاتها ،وتسقط دموع أم يوسف لتزهر ذكريات مختلطة بزهر الغارغيت النابت على قميص إبنها الراحل ، كان ذلك قبل عشر سنوات عندما إنتهت من كيّ القميص ، ألبسته القميص والنظارة، شدت له حزامه،ثم مسحت على رأسه وزرعت على خده قبلتان : _إنتبه وأنت تقطع الشارع . ودعَّته و دعت اللّه أن لا يصيبه مكروه، أغلقت الباب لتكمل نومها ، ظَّل قلبها منقبض لدى خروجه فقررت مرافقته إلى مدرسته كي لا يمسَّه أي أذى فتكون لتأنيب الضمير ضحية . أتجهت الى الطاولة لتأخذ مفتاح الباب قبل خروجها ، لاحظت صدفةً أنه قد نسي دفتره على نفس الطاولة . أحكمت إغلاق الباب ، و أخذت تعدل من وضع شالها بأصابعها الرشيقة وهي ترى إنعكاس وجهها الملائكي على مرآة نافذة الباب ، بخطوات مسرعة أخذت تسير حتى صارت على مقربة منه. نادت : _يوسف ...يوسف ،إسنتى شوي ليش تارك دفترك . مذهولاً إنتبه الى الصوت ونظر ليرى مصدره حكَّ مؤخرة رأسه و ردَّ وهو يلقي ببصره إلى الأرض كأنما يحاول التهرب من الإجابة : _الأستاذ حكالنا امبارح إنو بدو يعطل . ،أخذت بيده وقادته إلى نهاية الشارع ،كانت تلقي على المارات التحية وإبتسامات آسرة وفاتنة وكيف لإبنة الثامنة والعشرين ألا تكون إلا فاتنة . لم تغادر قبل أن تتأكد من دخوله إلى المدرسة واصطفافه في الطابور الصباحي ،بعدها ، أدارت ظهرها لتخط خطى العودة إلى منزلها . وهي في الطريق إستوقفها صوت زامور سيارةٍ من خلفها ،إلتفتت مجفلةً، وإذ بيد السائق تتحرك حركات هوائية وتأمرها بالصعود ،تجاهلت السائق وحركات يده التي لا تنم عن أية عفوية أو طلباً للمساعدة بدأت السيارة تقترب شيئاً فشيئاً ،السائق مستند على إفريز النافذة بذراعه الغليظة كجذع سنديان ،حليق الرأس واللحية ،بدين قصير القامة ،تناثرت على جبهته الوردية بلون الشفق مجموعة من البثور الدهنية المتفرقه . _ما تطلعي ع شو خايفه . حسرت العباءة في راحة يدها ورفعتها قليلاً لتكشف عن بياض ساقيها اللؤلؤيتين ، ثم فتحت باب السيارة و صعدت بحركة رشيقة الى المقعد الأمامي . قال وهو يدير عجلة القيادة بإتجاه اليسار ويتأهب للإنطلاق : _وين صبحتي رايحه . _وصلت يوسف للمدرسه . _بعرفش يروح لحالو يعني ؟! _نسي دفتره وحلمت حلم ما خلاني أنام طول الليل . نظر إليها بنظرةٍ تصحبها إبتسامة ساخرة، إعتقدت أنه يوَّد لو يقول لها ،أنتن النساء يائسات بالصدفة فكل حظ عاثر تفسرنه على أنه عينٌ حاسدةً تترصد لإسقاطكن في غياهب الشرور، وتفرطن في تفسير الرؤى أيما إفراط . قطع عليها تفكريها بصوته المجلجل وهو يمسح على بطنه بحركة دائرية : _ شو رأيك تنزلي معي على السوق بعدها بوصلك . _لا يخوي بدي ارجع ع الدار يوسف جاي على باله منسَّف وبدي اطبخله . _يوسف ...يوسف يا ريت في منه فايده ...بكرا بطلع لأبوه ،سكير،نكير ، لا فوق كل هالعمايل أخذ ورثتك واتجوز عليكي . ردت لتكفه عن مواصلة حديثه المكرور الذي كثيرا و ما سمَّ بدنها ، وعَّكر صفوها : _خلص ...بنزل معك وبنفطر بمعيتك كمان . أرجع مبدل السرعة الى الوضع العكسي وأدار المقود بإتجاه الطريق المؤدية للسوق وهو يتفحص بأن المكان خالٍ من السيارات ، تناولا إفطارهما في مطعم شعبي قبل العودة إلى بيت الأخ الذي أصَّر على أخته أن تتناول في بيته طعام الغداء . في طريق العودة وبينما هو يتنهد ضجراً و يشكو لأخته عسر حياته والديون التي تراكمت عليه بعد أن أتم بناء الطابق الثاني و ينتظر الإشارة الضوية لتستحيل إلى اللون الأخضر دوَّت أصوات سيارات الشرطة وهي تأمرهم بالإنطلاق والإصطفاف يميناً لتتمكن سيارة الإسعاف من دخول البلدة ، أفسح الطريق وراح يزاحم السيارات الأخرى ليتمكن من اللحاق بسيارة الإسعاف ومعرفة ما هو المسبب لمجئيها . خرجت سيارة الإسعاف مسرعة من المدرسة وهو لايزال يبحث عن مكان يركن فيه سيارته ، فإستدار بسرعة ضوئية ليكمل اللحاق بها ، بعدها عرف من مجموعة ممن سبقوه من أهالي البلدة إلى المستشفى أن ثمة غاز كان قد تسرب من أحد مختبرات المدرسة بفعل مجموعة من الطلاب الذين أغلق عليهم قيم المختبر الباب كي لا يفروا أثناء إستراحته ليقع من بينهم ثلاثة طلاب ضحية الإختناق ،إحداهم إبن المرأة التي نقلت بعد الحادثة الى إحدى المصحات النفسية لتظَل لتكمل بكائها اللانهائي وتكمل إسترسال أحلامها بعودة إبنها وهي جاثية فوق الملاءات الزرقاء تبكي و تتمسح ب "قميص يوسف "

ليست هناك تعليقات