غَصَّتْ بِفَاجِعَةٍ هَدَّتْ قَدُّهَا - رؤى رائد

شارك:
شنيعة هي تلك اللحظة التي يتراءى لنا فيها أنّ زخّات السعادة التي أمطرت علينا ليست إلا توهُّماً ،
تردّدت هذه الكلماتُ في رأسها وغاصت في تفاصيل نُخاعها الشوكي وقدميها هي الأخرى في الجليد مبتورة ،
هي فتاةٌ لم تعرف يوماً هل الحرارة في قلبها منبعثة من صدرها أم أنّ ذلك الجليد ينصهر ليخرجها ،
لا تدري ماذا تفعل وإلى أين تتجه بعينين لا تُبصران غير ذلك الإصفرار العجيب الذي يعمّ وجهها ،
تائهة في الصحراء القاتلة حيثُ لا شعور بالزمن وكأنَّ رأسها عقربُ ثوانٍ في ساعةٍ معطّلة ،
شابَ عليها الدهر وهي لا تُدرك إسمها أو عنوانها أو حتّى وجهتها ،
عادت الكلمات لتعبث بعقلها المُرتبك من جديد وتتأجّج في صدرها كشظايا نيرانٍ لاهبة ،
ماذا تفعلُ الآن ؟
كلّ ما تفكّر به هو سقوطها أرضاً وتوقّف نبض قلبها عن النبض حتى تُخمد النيران وتُزال عنها آثار الشظايا وينقشع منها الدخان مُطلقاً سراح تلك الغصّات ،
كانت الرّمال تمسك بقدميها بإحكام لأنّها تتحرك وسط تلك الحبيبات بصعوبة ،
تعودُ تلك الكلمات لتعبث بها ، اللعنة ،
أمسكتْ الفتاة رأسها بشدّة عسى أن يستجيب لشدّها ويعتقه الصداع ،
صوت طلقة نارية ، سقطتْ الفتاة إثر صوتها المُدوّي ،
إنّها تهوي كعقلها الذي سقط من رأسها وهوى إلى غيبوبة عميقة .
مرّت بها عدّة أيام وهي لا تشعُر سوى بالظلام ف جلَّ أعضائها توقّفت عن العمل ما عدا قلبها وأُذناها ،
سمعتْ صوتاً يهمس لها :
" أتسمعينني بوضوح ؟
عقلك الآن هاديءٌ ومستقرّ ، إنتظرتُ ذلك طويلاً ،
أنتِ الآن تحتلّين فراشاً بالمستشفى وأنا الطبيب الذي توليت مهمة علاجكِ " ،
تجاهلتْ الفتاة صوته لتُركّز في تفكيرها لأنّها كانت أوّل مرّة تنتابها حالة صفاء كامل كهذه ،
حاولت التّركيز لكنّ الأصوات كانت وكأنها تصدُر من خلايا مُخّها .
قال لها الطبيب : " أودّ إخباركِ أنّكِ جئتِ إلى هنا بعد إصابتكِ بصدمةٍ نفسيَّةٍ غريبة من نوعها جعلت الأطبَّاء يستقيلون جراء فشلهم في علاجكِ من غيبوبتكِ ،
يُقال أنَّ تلك الصدمة نشأت من إنهيار عصبي جعلكِ تستشعرين نفسكِ من الداخل تتمزّق أمام عينينكِ وفقدت شيئاً منك " .
عادَ النزيف مرّة أخرى لينهمر كشلال ، تمنّت لو أنّها إستطاعت تحريك ذراعها الأيسر لتلكُم الطبيب فكّهُ حتى تُخرسهُ ، لكنّ شللها خذلها وللأسف .
إستمرَّ الطبيب في ذلك مساء كلِّ يوم ولم تكن إستجابة ،
اليوم الأخير من السنة الجارية حيث مضى على حالة الفتاة إلى الآن ما يقارب شهر و 28 يوماً ،
حاول الطبيب أن يجعلها تستوعب حالتها ، قال لها : " عليكِ إقناع نفسكِ بأنّ ما تمّ قد تمّ وأنتِ الآن جزء من الحياة ،
فكّري بحكمة الله ، لِمَ أبقاكِ أنتِ حيَّة ؟
مؤكّد لكِ مهمّةٌ في هذه الحياة ، لكِ ما تبقَّى عليكِ فعلُه ، أمعني ورتّبي داخليّتكِ حسب عمقكِ
والآن سأترُككِ يا بَطلة لحَربكِ الضَّارية مع عقلكِ " ،
رفعتْ الفتاة يدها اليُسرى ولوّحتْ بها إلى حيثُ دفتره وكأنّها تُبصرُه ،
إضطربَ الطبيب لدهشتهِ وحطَّ بدفتره على يدها ، فهمَ أنّها تُريدُ كتابَةَ شَيءٍ ،
ظلّ باصراً حيثُ يدها فشَهدَ وقعَ جُملتها :
(( عَسراءُ ذاكرةٍ أنا ، أشْوَهُ مِن اليأسِ )) ،
همَّ الدخان به لجُملتها هذه ، توجّه لمَكتبهِ حيثُ الورقةُ البيضاء ليخطّ بها إستقالتهِ :
" الفتاة شاهدةُحرب من حروب هذا العالم الشنيع ، حربٌ أرهقتْ إنسانيتها وقتلتْ فيها كل تفاؤُل ،
المرض الذي تُعاني منه ليس ورماً عادياً جاء من تلقاء نفسه بل سببه تعرُّضِها لصدمات تكدَّست في جوف نفسها إلى أن تكاثرت بهذهِ الهيئة المورِمَة ،
تعَجَّبتْ بِما لم يئتَلِف عليه قَلبُها ، لم تستطع أن تتدبّر ،
ممَّا جعلها تُفضِّل اليأس فإعتادتْ عليه وإغتربتْ على السَّعادة ، حينها أدرَكتْ بأنَّها لن تكُون سعيدةً ،
وكل ما حلَّ بها أدى إلى تخوّفها من معايشة العالم من جديد ، لشدّة ذلك أقنعتْ داخلها بفقدها لما يصلها بالخارج وهذا ما أشلّ بجميعها فتُركَ القلب والأذنين لحكمةٍ من الله عزَّ وجلَّ ، ليشهد حقيقة ما تخلّف هذه الحروب النفسية الشنيعة من أزمات باطنية بالنفس البشرية ،
الفتاة عَسراء ذاكرة ، أي أنّها لا تتذكر سوى الصّدمة " .

ليست هناك تعليقات