نِصف العَودة إلى جرش / قصة قصيرة لوسام عياصرة

شارك:

عندما خرجت من "النادي العربي"وانا احمل الروايات التي استدنتها  من مكتبة صديقي ياسر كنت أفتش في جيبي اليمنى بحثاً عن المال لأحسب ما تتطلبه منّي العودة إلى جرش  ، ولحسن الحظ أني عثرت على  ربع دينار تقيني المشي  تحت شمس "إربد" الحارقه وتمكنني من ركوب  "سرفيس جامعة اليرموك _مجمع عمان " وبهذا الحال لن يتمزق حذاء أخي المرتوق من قبل  .

وصلت الى "مجمع عمان " وسرعان ما ركبت الباص،  كانت   تجلس أمامي سيدة وفتاة ،السيدة سمينة مكتنزة بوجه مدور ترتدي عباءة سوداء لا تتناسق مع بشرتها المحمرة وقامتها القصيرة ،أما الفتاة فهي متوسطة الطول والوزن ذات بشرة بيضاء وعينان زيتونيتان وأنف مدبب ، أظنها قد بدأت عقدها الثاني منذ فترة قصيرة.

بدأ السائق يمارس عادته بالمشي في ممر الحافلة قبل الإنطلاق  وهو يجمع الأجرة  و يسأل :
_"ع الطريق في حدا نازل ؟
صناعية ،طيفور ،مستشفى ....مستشفى ،طيفور ،صناعيه!
...حدا نازل ؟
نقدت السائق ديناري اليتيمة ،لم يبقى في المحفظة الا بطاقة المعالجة التي اعتقد انها انتهت في نفس اليوم الذي اشتريت في القميص الذي ارتديه الآن وارتديه منذ اول يوم لي في الجامعة ، كان في المحفظة ايضاً بعض اوراقٍ كنت قد كتبت عليها قصائد نثرية غير منتظمة _كوجبات أكلي_تماماً.

كثيراً ما كنت اشعر بالضجر عند سماعي لأحاديث كبار السن ،
التي تدور على نفس المحور ومنها "الزيتون معليهوش السنه هاي ، عمرت للولد دار سياحه نياحه مسطحها ١٥٠متر احسن لايجيب سيارة ويحط فلوسه عالحديد، قلتله ظلّك بالجيش بستفيد من التأمين الصحي "والى ما لانهاية ولا جدوى .

اغلقت رواية "مرايا النار" لئلا تحرقني فالقيظ في الباص أشد منه في الخارج ،لفت انتباهي حديث هذه السيدة في اللحظة التي التفتت عيناها نحو إصبع الصبية فجلست وكلي آذان صاغية لقولها الذي أبدت به فلسفة خاصة بالزوجات اللواتي ينجبن عشرة اولاد بلا دخل او مصدر بعد وفات ازواجهن .

چنك (كأنك) خاطبه يا خاله ؟..وفخمت الخاء أيما تفخيم لتظهر اللكنة الفلاحية العتيده.

أومأت الفتاة وبكل هدوء قالت :
اه يا خالتي الحمد لله.. .وارتسمت ابتسامة خجلة صغيرة على ثغرها.

قاريه (دارسه)انتِ يا خاله ! ..وهي تحدق بوجه الفتاة بطريقة فضولية مستفزة  جعلت وجنتا الفتاة تصيران بلون بشرتها.

ظل علي فصل يا خالتو ..وهي تزيح شالها إلى صدرها .

وخطيبك قاري؟..بنفس الطريقة ونفس النظرات السابقة.

بلهجة يظهر فيها الكثير من الكِبر أجابت :
لا يا خالتو خطيبي عندو ٣معارض سيارات وبستورد ملابس من تركيا.

يلا عادي ي خاله عادي لو إنك مهندسه وخطيبك مش قاري لا تفكري بالموضوع كثير ترا "ما بعيب الزلمه غير جيبته "..

هنا شعرت بالخيبة تتسلق وجهي وقلبي و استاطعت ان تقنعني والفتاة التي تمنيت أن أراها مرة أخرى قبل أن تتخرج بأنه لا قيمة لي وللروايات التي كنت ما كنت  أرى الثراء الا هي رغم أني اشتريتها بالديّن ولا لشهادة الهندسة التي توقف شوقي للحصول عليها بتوقف الباص الذي أمرنا سائقه بالنزول لأرض المجمع  فقد انتهت  المسافة بإنتهاء آخر دينار سكنت محفظتي .
أما كيف وصلت للبيت وأنا لا أملك نصف دينار فستكون هذه بداية لقصة ثانية أو نصف قصة .

_وسام عياصره

ليست هناك تعليقات