ياسر عمير الصُبح / بيت يافا - الأردن
درك عادل أنّه نامَ ليلةً ماطرةً بعدما تناهى إليه خريرُ المياه ودقاتُ المطر العالقة على وُريقات الشجر المُنتشية .
نفضَ الفراش عن جسده ، ثمّ أسندَ - بحركة بطيئةٍ -ظهرَه إلى الحائط ، مسحَ بكفّه وجهَه الممطوط ، وراح يطردُ ما علقَ في ذهنه من أحلام تثاءبَ طويلاً ، ومسح وجهه مرةً أُخرى ، وبحركةٍ سريعة نهض بطوله الفارع ، مُنتصباً على كفّتي رجليه المُفلطحتين . له وجهٌ طويل بلحيةٍ مرداء وحدباء بشكلٍ حزين ، عينانِ غائرتانِ تحت حاجبينِ كثّينِ ، وصدغانِ نافرانِ بشكلٍ غريب كانت ظهيرةَ يومٍ آذاريّ باسم ، تبعث الأرض فيه رائحةَ التراب المُعتّق .
ألقتْ السُحُب آخر ما تبقّى فيها من رذاذٍ ، ثمّ ما لبثَ المطر أن كفّ تماماً ، ثم انجابت السحبُ مبتعدةً ، وأخذت الشمسُ تكشفُ عن وجهها الشعاعيّ وقد ألقتْ أشعّتها الذهبيةَ على فراش الأرض العشبي ، فتبدّت صفحةُ الأرض واضحةً كمرآة وقد ارتعش اللون الأخضر على وجه الأرض وأغصان الشجر ، فخلعَ بريقُ الشمس على ذلك كلّه لوناً باهراً من ألوان الحياة. حدّق عادل من الشباك في عصفورٍ ساكنٍ على غُصنِ شجيرة المشمش وقد نفشَ ريشَه لسهامِ الشمس الدافئة . كان أثناءَ تحديقه يهرشُ عانته بحركةٍ سريعةٍ وهو في نشوةٍ من ذلك .
عندما تناهت إليه ضحكات متقطعةٌ خارج الغُرفة ، خرج فألفى أمّه تشاهد التلفاز ، فلمّا رأته ، ابتدرت : "أخوك أصحابه عنده" لم يُعلّق بكلمة وبقي محتفظاً بوجهه المُنغلقِ مُتّجهاً نحو المطبخ .
"فيش أكل؟!" قال بنبرة انزعاج ككلّ صباح .
فقامت أمّه بسرعة وصعوبة ، ودخلت إليه المطبخ تتمايل كالفقمة. أمُ عادل أرملةٌ منذ ثلاث سنين ، أمرأةٌ قصيرة ، ضخمةُ البطن ، ثدياءُ كأنّها تحمل بطيختين ، ووجهها فارغٌ من الملامح عندما دلفت المطبخ ، أعادت بصوتٍ خفيض وببسمةٍ مُصطنعة : "أخوك عنده أصحابه" فردّ بصوتٍ أعلى : "آه؟ ، شو أعمللهم؟! " بنفس الوجه العابس لن ينسى عادل -رغم تهتّكِ ذاكرته- النوبةَ الأولى التي أصابته عندما كان في المدرسة تحت شمسٍ آبيّة ، ولن ينسى تلك الرعشةَ المُرعبةَ التى تُلقيه في نوبة الصرع . رشّوا عليه الملح ، ومرةً الدم ، وختموا عليه القرآن سبعين مرة ، ومشى حافياً على التراب ، وسجد طويلا دون فائدة عندما رأى قبل عشرة سنين ، مديرَ المدرسة واستاذَ العلوم بوقارهما المعهود قد جاؤوا أباه ، أدرك حينها أنّ المدرسةَ ستكونُ غريبةً عنه بعد اليوم بعد محاولاتٍ أجبرتْهم إلى التسليم بشرح الطبيب عن حالة عادل ، تلقّى الأبوان ذلك كضربة ، وأخذوا وصفات الدواء والتوصيات من الطبيب كآياتٍ "أهم إشي يوكل الدوا كل يوم الصبح والمغرب ، وديروا بالكو يتعب ، او يعصّب ، وان شالله بتشافى ، فيش اشي بعيد عن ربنا " كلمات الطبيب هذه تلقّفتها آذانُ أمّ عادل بحذر .
أم عادل كانت عليمةً جداً وحذرةً جداً لمرض عادل ، ولذلك فقد أخفضت صوتها كالمسكينة وأعادت عليه ذلك "أخوك أصحابه عنده " مع أنها تعلم أنه سمع من المرة الأولى ، بيدَ أنها كانتْ تتوخّى الهدوء منه. حضّرتْ له طعاماً ، أكل قليلاً ثم تناول الدواء ، ودونَ أن يجلس مع أمّه أو يدخل إلى أخيه إبراهيم وأصحابه ، تناول الدّينارينِ من أمّه وخرج بطوله الباسق وظهره الأحدب من البيت ككلّ يوم .
كانت الشوارع تبدو باسمةً بعدما غسل غبارَها المطرُ ، وقد عكستْ إلتماعَ الشمس الفاتن .
دخل عادل الدكان ، وبحركةٍ اعتياديّةٍ وبدون أن يحدث سلام أو كلام ، أخذ عادل علبة السجائر والفكّة الباقية ، ثم خرج وجلس على عتبة الدكّان .
منذ أربع سنوات وعادل يفعل هذه الحركات بنفس الوتيرةِ والحركات ، يدخّن سيجارتين أوثلاثاً ثم يعود لغرفته اليوم عندما كان يُشعل سيجارته الأولى زحفتْ سحابةٌ سوداءُ من الأفقُ بشكل سريع وملحوظ ، فما إن ألقى عُقب سيجارته الأولى حتى حجبت تلكَ السحابةُ صدرَ السماءِ وابتلعتِ الشمسَ ، فخيّمَ ظلٌّ ثقيلُ على سطوح المنازل وعلى الشوارع فبدتْ باردةً وخائفة .
بعدما أنهى أصحاب إبراهيم شرب القهوة ، قرّروا المغادرة إلى بيوتهم .
إبراهيم يدرس المحاسبة في جامعة اليرموك ، وأصدقاؤه المملّون من قرى مختلفة زاروه وهو كارهٌ لذلك ، فلمّا قرّروا المغادرةَ فكأنما انزاح عن كتفه حِملٌ ثقيل . توقّفوا على ضفة الشارع ينتظرون "الباص" ، وكانوا ككلُ أصحاب الجامعة يضحكون بشكل أبله بعدما يذكرون حوادثهم مع "بنات التخصص" او غيرها من الحكايا التي تُثيرُ في السامع القرف. وجّهَ شخصٌ منهم سؤالا لإبراهيم : " مين هضاك الي قاعد عند الدكان ؟ شو ماله هيك ؟ " (لحظة ، لِنصفَ الشخصَ الذي سألَ إبراهيم ) طويل ونحيف يلبس نظاراتٍ ، ويُحاول قدرَ الإمكان أن يظهر مُضحكاً أمام أصحابه حتى لو كلّفه الأمر أن يُهينَ نفسه ، إيماناً منه بروح الدعابة والصداقة ، له رائحة فم لعينة ، وفمه واسع جداً ومطلوقٌ للهواء دائماً ، ويتكلم كثيراً في محاوراتٍ ليست له ، ويكفينا أن نذكر لكم شيئين عنه ، الشيء الأول أنه يُحاول قدرَ الإمكان أن يبدوَ أنه عنيفٌ جنسياً أمام أصحابه ، والشيء الآخر أنه يبقى طويلاً قبل نومه يُفكر كيف سيبدو مُضحكاً أمام البنات والشباب ، وللأسف دون جدوى .
المهم ، عندما سأل إبراهيمَ مُستهزئاً عن الشخص ذاك ، انحرجَ إبراهيمُ دون أن يُظهر ذلك "اخوي" أجاب إبراهيم "طيب ماله؟ " سألَ التافه "مالهوش ، بس هو مريض " أجاب إبراهيم "جد؟ ، والله مبيّن عليه ، مريض بشو؟ " سأل التافه "مريض" أجاب إبراهيم وازورّ بعينيه نحو الطريق علّ باصاً يُنقذه
"مريض بشو ؟" أصرّ التافه وقد رفع صوته ناظراً إلى إبراهيم "معه نوبات عصبية" أجاب إبراهيم "اه ، يعني صرع ؟" سأل التافه "اه ، هاي الباص اجى" عندما رحل أصدقاء إبراهيم ، رجع إلى البيت ، بدون أن ينظر إلى أخيه نظرة واحدة أثناء وقوفهم بانتظار الباص ، فكّر عادل وللمرّة الأولى في حياته بأنه لا يملك أصدقاء يجلس إليهم منذ عهد سحيق ، وربما للمرةِ الأولى في حياته يشعرُ بأنّه وحيد تماماً كانت السماء قد غصّت بالغيمِ الغاضب عندما داس عقب السيجارة الثانية .
تلاقت سُحبُ وابتعدت أخرى بحركة لافتةً ، ثم جعلت السماء تومِض وتهمي برذاذ خفيف الوطأةِ على أجسام الناس وأوراق الشجر قام عادل قافلاً إلى البيتِ وقد أُلقيَ على عينيه ظِلالٌ من الخوف والحقد معاً توقّف لبُرهةٍ أمام البيت ثم انعطف دون وعي إلى بيت "العدّة" ، حمل الفأس على كتفه مُتّجها بحركةٍ لا واعيةٍ إلى جِذعِ التين المُتيبّس شجرة التين هذه ذبلت وماتت بعد موت أبي عادل بأيامٍ قليلةٍ وبدون سببٍ مُحدّد ، واليوم وبعدما نخرها الدود نخراً ، قرّر عادل أن يجتثّها بفأسه ، وبدون سبب محدّد كذلك شرع بالضربةِ الأولى فزاد المطر كثافة ، والضربة الثانية والثالثة ، زاد المطر انهمارا ، واستمر عادلُ والسماءُ عندما فاضت الغيمُ بمائها ، كان عادلُ يضرب بحقدٍ في جذع التينِ وقد تفجرتْ رئتاه وتصلّبت حنكاه عن غضب .
ابتلّ بالمطرّ الغاضب دون أن يتوقف أو يأخذَ نفساً أثناء انهمار المطر وجلدِه جذع التين ، كان يُحدّق مليّا بموضع الضرب وقد غشّت عينيهِ قطراتُ المطر ولم يتوقف عن ذلك إلا حينما أحس بخيطين دافئين ينسابان على خدّه ، توقف وأخذ يتنفس كحمار مُنهك ، شعر بدوار عنيف ، وبدّوامات تحومُ في جمجمته ، وشعر بحرارةٍ تنهضُ من مريئة كان آخرَ ما وعاه ساعتئذٍ هو رعشةٌ حيوانيةٌ تنساب في يديه ، وسائل ابيض ودافئ يخرج من فمه .
ليست هناك تعليقات