جاءه الصوت بارداً ..
- سليم الهبيلة، سليم الهبيلة، سلـ..
كانت ليلةً مُقمرة، وللأمانة فإن عُمال البلدية كانوا يقومون بواجبهم على أكمل وجه، و بسرعة محمودة تُناسب قرب إنتهاء نوبة عملهم .
يرمي بثقل كيس النُفاية في الضاغطة الصماء، لا يعتصر للشتائم، و لا يحزن لعواء الماضي.
- سليم.. امك هبلا يا سليم.. امك رقاصة يا ابن الـ..
أمه لم تكُن راقصة، ليس بالمعنى الشائع تماماً ، حين إنسل والده للقتال في العراق مع صفوف المتشددين المصدومين كان طري الأظفار، كان عمّانياً يسكر على رائحة الطل المخبوء على الشقق العالية.
أحياء عمّان سلالمٌ للصدمة و للجنون ، صعودٌ إلى الهباء ، لا يُمكن وصف ذلك بمعنى أدق، لكن بإستطاعتنا أن نقول : عمّان تُعدك للجنون، أما عجلون فإنها ترميك في بئره.
مات والده بعد تسلله عبر الحدود بأيام، قتله الأمريكان بطائرات الأباتشي بعد أن وشى به جاسوسٌ أهانه جوع صغاره.
لا زالت أصوات المُعزين حاضرة، ابو سليم الغامض، المندفع، " اللي عليه خمس ليرات دين لدكانة رياض " ، الإرهابي..
الإرهابي..
الإرهابي..
في الصَباح طُلب سليم إلى مكتب رئيس البلدية، كان إجتماعاً فكاهياً غير مُتكافئ، أعطى فيه رئيس البلدية مبالغ ضئيلة لسليم و زملائه، مُقايضة على عدم جمع القمامة - ولا حتى كيس واحد - إلى إنتهاء الإنتخابات.
سليم الصامت ، حزين الملامح، و رئيس البلدية المنفوخ ككيس نفاية، و صباحٌ نديٌ من رمادٍ و إهانة.
قال كبير الزبالين مستغرباً : " لويش؟ " ..
- " عشان يعرفوا قيمة العُمدة أبو النور، بدي يعفنوا بغيابي " ..
**
كانت ليلة مُقمرة ، و للأمانة فإن عُمال البلدية قد مارسوا فسادهم بأمانة و إخلاص.
حين مرّ سليم من نوبة حصاره مروراً بطيئاً، بعد شتائم بالت على عظام أمه، إشتم رائحة نفاياتٍ يحرقها الأهالي، و إشتم أيضًا رائحةً لاذعة لحُزنه القديم.
غفت المدينة على رماد النفايات المحروقة، و غفا هو على جلاء صادمٍ لرغبة خارقة في تحويل تاريخه و تاريخ البلاد المُدهش إلى رماد.

ليست هناك تعليقات